محمد بن جرير الطبري

528

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

إلى الله ، فأوحى الله إلى صالح : أنْ مُرْهم فليتمتَّعوا في دارهم ثلاثة أيام ! فقال لهم صالح : تَمتَّعوا في داركم ثلاثة أيام ، وآية ذلك أن تُصبح وجوهكم أوَّل يوم مصفَرَّة ، والثاني محمرّة ، واليوم الثالث مسوَدّة ، واليومُ الرابعُ فيه العذاب . فلما رأوا العلامات تكفّنوا وتحنّطوا ولطَّخوا أنفسهم بالمرّ ، ولبسوا الأنْطاع ، وحفروا الأسراب فدخلوا فيها ينتظرون الصيحة ، حتى جاءهم العذاب فهلكوا . فذلك قوله : ( دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ) . حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق قال ، لما أهلك الله عادًا وتقضَّى أمرها ، عَمِرتْ ثمود بعدَها واستُخْلِفوا في الأرض ، ( 4 ) فنزلوا فيها وانتشروا ، ثم عتوا على الله . فلما ظهر فسادهم وعبدوا غيرَ الله ، بعث إليهم صالحًا = وكانوا قومًا عَربًا ، وهو من أوسطهم نسبًا وأفضلهم موضعًا = ( 5 ) رسولا ( 6 ) وكانت منازلهم الحِجر إلى قُرْح ، ( 7 ) وهو وادي القرى ، وبين ذلك ثمانية عشر ميلا فيما بين الحجاز والشأم ! فبعث الله إليهم غلامًا شابًا ، فدعاهم إلى الله ، حتى شَمِط وكبر ، ( 8 ) لا يتبعه منهم إلا قليل مستضعَفون ، فلما ألحّ عليهم صالح بالدعاء ، وأكثر لهم التحذير ، وخوَّفهم من الله العذاب والنقمة ، سألوه أن يُريهم آية تكون مِصداقًا لما يقول فيما يدعوهم إليه ، فقال لهم : أيَّ آية تريدون ؟ قالوا : تخرج معنا إلى عِيدِنا هذا = وكان لهم عيد يخرجون إليه بأصنامهم وما يعبدون من دون الله ، في يوم معلوم من السنة = فتدعو إلهك وندْعُو آلهتنا ، فإن

--> ( 4 ) " عمر يعمر " ( نحو : فرح يفرح ) و " عمر يعمر " ( نحو : نصر ينصر ) : عاش وبقي زمانًا طويلا . ( 5 ) في المطبوعة : " وكانوا قومًا عزبًا " ، وفي المخطوطة : " وكانوا قومًا عربًا وهم من أوسطهم " والصواب ما أثبت . ( 6 ) السياق : " بعث إليهم صالحًا . . . رسولا " . ( 7 ) " قرح " ( بضم فسكون ) ، وهو سوق وادي القرى . ( 8 ) " شمط " : ابيض شعره .